سميح دغيم
مقدمة 28
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
بها « مفاتيح الغيب » . لقد حدّد الإمام المعيار الضروري لكل إنسان في تمييز الحق من الباطل ، وهو معيار « اليقين » . واليقين عند الإمام كما عرّفه في « المفاتيح » هو العلم المستفاد بالتأمّل ، شرط أن يكون مسبوقا بالشكّ . واليقين لا يقال إلّا في العلم الحادث ولا يطبق على اللّه . بيد أن هذا اليقين كيف نحصله وكيف نكشف عنه ؟ يصرّح الإمام في « المفاتيح » عن معنى التفكّر ، الذي هو طلب المعنى بالقلب ، ذلك لأن تفكّر القلب هو المسمّى بالنظر ، والتعقّل في الشيء والتأمّل فيه والتدبّر له . فقول اللّه تعالى أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أمر بالفكر والتأمّل والتدبّر والتروّي بطلب معرفة الأشياء كما هي عرفانا حقيقيّا تامّا . لقد أثبت الإمام هنا امتلاك الفكر لليقين ، لا بل أكّد قدرة القلب باستعداده الذاتي على تحصيل العلم اليقيني . فالفكر عند الإمام هو انتقال الروح من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة . وعملية الانتقال هذه لا تتمّ إلّا بشيء يتوسّط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة . هذا الحدّ الأوسط ، له إلى كل من الطرفين نسبة واحدة خاصة ، بحيث يتولّد من نسبته إليهما مقدّمتان . هاتان المقدّمتان هما الشاهدان اللذان ينتجان المطلوب . من هنا يبدو التأثير الفلسفي الذي تحدّثنا عنه سالفا ، والذي سينعكس على قضايا أخرى تكشف عن مدى التطوّر في نظرة الإمام كمتكلّم إلى العقل وقدرته على تحصيل العلم . لن نخوض في شرح تفاصيل مذهب الإمام في تفريعاته من حيث الكلام على قدرة العقل الذاتية في تحصيل اليقين وعلى مقوّمات تجربته في طلب هذا اليقين ، فإننا نكتفي هنا بعرض الخطوط العامة لفضائه الفكري تاركين للباحثين الكرام من خلال اطلاعهم على مصطلحات هذه الموسوعة ، تقرير الأمر في تبيان ما يجب تبيانه . مناظراته بعد الانتهاء من تحصيله العلمي ، رحل الإمام إلى خوارزم حيث جرى بينه وبين المعتزلة مناظرات أدّت إلى خروجه منها فيما بعد . وهو وضع كتابا في مجادلاته التي أجراها في بلاد ما وراء النهر ، يذكر فيه أسماء من ناظرهم من أفاضل الأعيان ، ومن الفرق المنتشرة آنذاك . ففي بخارى تكلّم مع الرضى النيسابوري ، ومع رجل يقال له « النور الصابوني » وهو من متكلّمي القوم ، وقد حاوره الرازي وأفحمه في مسألة « الرؤية » وفي مسألة التكوين والمكوّن ، وفي المخلوق والتخليق ، وكلّها من